سواءً أكان مسحوقاً يُستخدم كتوابل، أو مطحوناً لصنع صلصة فلفل حار مميزة، أو مُضافاً كاملاً إلى السلطات، فإن فلفل حلب يحتل مكانة خاصة في عالم الطهي. يُزرع هذا الفلفل في مدينة حلب (أو حلب) شمال سوريا، وقد استُخدم لقرون لإضفاء نكهة مميزة على الكباب واليخنات والصلصات، مما يميز المطبخ السوري عن غيره من أطباق الشرق الأوسط.
"أفضل طعام في سوريا يأتي من حلب. حلب لديها العديد من الأطباق اللذيذة، ولكن هناك تخصص واحد لا يمكن العثور عليه إلا في حلب: صلصة الفلفل الحار"، هكذا قال علي فخر الدين، الطاهي في مطعم قصر حلب الذي تم افتتاحه حديثًا في الشارقة، لموقع Gulfnews.com.
تُضفي صلصة الفلفل الحار هذه نكهة سورية مميزة على المقبلات والأطباق الرئيسية الشهيرة في الشرق الأوسط، مثل ورق العنب المحشي والكباب وكفتة اللحم المقلية. وتكتمل هذه النكهة السورية بنوعين من الصلصة الحارة (أو الشطهلبية): حار وحلو.
"يُمكن إيجاد الأرز الملفوف بورق العنب في العديد من دول الشرق الأوسط، مثل لبنان والأردن ومصر. لكن في حلب، يتميز هذا الطبق بكونه فريداً من نوعه، إذ تُحشى أوراق العنب بصلصة الفلفل الحلو وشراب الرمان. وهذا ما يمنحه حلاوة مميزة لا تجدها في أي مكان آخر في الشرق الأوسط"، هذا ما قاله الشيف فخر الدين.
في السنوات الأخيرة، تراجع تأثير فلفل حلب الحار على فنون الطهي العالمية، كما تراجعت المدينة نفسها، ويعود ذلك في معظمه إلى الصراع الدائر في المنطقة. فمع تدمير الحرب للأراضي الزراعية، اضطر العديد من المزارعين إلى الانتقال إلى المناطق المجاورة، إلا أن النكهة الفريدة لفلفل حلب الحار حُفظت بعناية. وقد تم البحث عن بذوره بدقة متناهية، والآن بدأ عشاق التوابل في أماكن بعيدة مثل كاليفورنيا بالولايات المتحدة الأمريكية بزراعة فلفل حلب الحار.
يعود ذلك إلى قدرة الفلفل الحار على التكيف بشكل فريد مع ظروف النمو المتنوعة حول العالم. لطالما كان رفيقًا وفيًا للمسافرين، بل واستُخدم كعملة. ينتشر الفلفل الحار عالميًا من جزر الهند الغربية إلى أوروبا، ومن إسبانيا إلى غرب إفريقيا، ويتزاوج بسهولة مع الأصناف المحلية. ولذلك، يحمل فلفل حلب بصمة حلب المميزة.
قرون هذا الفلفل الحار مخروطية الشكل، يتراوح طولها بين 5 و10 سنتيمترات، ذات قشرة ناعمة لامعة وكثيفة. يتميز بدرجة حرارة معتدلة جدًا، تبلغ حوالي 10000 وحدة سكوفيل (SHU). وبفضل نكهته الفريدة التي تجمع بين الحرارة والحلاوة ولمسة من الفواكه، يُستخدم فلفل حلب الحار على نطاق واسع في المطبخ السوري.
ينتهي موسم الفلفل الحار في بلاد الشام في أواخر الصيف وأوائل الخريف. خلال هذه الفترة، تقوم كل أسرة بجمع فائض الفلفل الحار وتجفيفه - ليس تمامًا، ولكن بدرجة معينة فقط - لصنع صلصة الفلفل الأحمر الحار.
"هذه هي الصلصة التي نستخدمها لصنع صلصة المحمرة - فتات الخبز، وصلصة الفلفل الحار، وزيت الزيتون، والكمون. أربعة مكونات فقط تكفي لصنع هذه المقبلات، لأن صلصة الفلفل الحار هي التي تعطي صلصة المحمرة نكهتها الفريدة"، قال الشيف فخر الدين.
تُعد حلب واحدة من أقدم المدن المأهولة في العالم، وتقع على طول طريق الحرير. وتعود الحفريات الأثرية هناك إلى العصر البرونزي المبكر، حوالي 3000 قبل الميلاد.
مع ذلك، إذا تتبعت التطورات الحديثة للمطبخ السوري، ستلاحظ أن نكهته لم تتغير. ويعتقد الشيف فخر الدين أن السبب في ذلك هو أن الأطباق السورية ببساطة لا يمكن تحضيرها بطرق غير تقليدية.
وقال: "إذا أردتم تذوق مأكولات حلب، فعليكم طهيها باستخدام الطرق التقليدية، وليس الطرق غير التقليدية".
وافق زميله حسن عبيد، وهو طاهٍ من الجيل الثالث في العائلة، على ذلك. عمل والده طاهياً في فندق كبير في حلب، وتعلّم منه مهاراته في الطهي. يثق الشيف عبيد بأن أبناءه سيواصلون تقاليد العائلة في الطهي، وأن الجيل الرابع سيرث شغف الطبخ.
"أما بالنسبة للطعام نفسه، فلن تلاحظ أي تغييرات. فقد ظل المذاق كما هو لثلاثة أجيال. ولكن الآن، بفضل التقدم التكنولوجي والتحول الجذري في نمط الحياة، لم نغير سوى طريقة التقديم. أما المذاق فبقي كما هو"، هذا ما قاله العبيد، مساعد رئيس الطهاة في مطعم كاسال هاراب.
لهذا السبب تُطحن الكباب الآن آلياً بدلاً من تقطيعها بالطريقة التقليدية إلى قطع صغيرة، وأصبح تقديمها أكثر حداثة. لكن النكهة بقيت كما هي. مثال آخر على التفسير الحديث للأطباق التقليدية هو جبنة الحلوم المقلية، وهي مقبلات شهيرة في الشرق الأوسط.
"لطالما كان جبن الحلومي هو جبن الحلومي، فلم يتغير مذاقه منذ زمن جدي وحتى يومنا هذا. ولكن خطرت لي فجأة فكرة لف جبن الحلومي بعجينة الكنافة (الشعيرية) ثم قليها. وبهذه الطريقة، يمكنك الاستمتاع بملوحة جبن الحلومي وحلاوة عجينة الكنافة في آن واحد"، هكذا قال الشيف عبيد.
كيف يختلف المطبخ السوري عن المطبخ المصري أو اللبناني؟ بحسب الشيف فخر الدين، فإن "النكهة الحلال" الفريدة هي التي تمنح الأطباق نضارتها.
وأضاف: "الكب السوري فريد من نوعه أيضاً، بنكهة حلب مميزة. نستخدم فيه لحم الضأن المفروم، والقمح المجروش، والفستق، والجوز، وبذور الرمان، والتوابل. وبالطبع، لا ننسى صلصة الفلفل الحلو. هذه هي المكونات الرئيسية للحشوة، التي تُحضّر أيضاً بالبصل ودبس الرمان".
تختلف أنواع الكباب أيضاً؛ فكباب حلب يحتوي على كمية أكبر من اللحم، مما يجعله أكثر طراوة ونعومة. كما توجد أنواع عديدة مختلفة منه.
وأضاف: "سيضيفون المزيد من الدهون لجعل الكباب أكثر طراوة، بالإضافة إلى المكسرات. الكباب المفضل لدي شخصياً هو كباب بيلا موكاساراتا، المصنوع من المكسرات والجبن في اللحم المفروم".
ينصح الشيف فخر الدين أولئك الذين يجربون المطبخ السوري لأول مرة قائلاً: "ابدأوا بالمحمرة، ثم الكبة واليارنجة، وأخيراً الكباب".
إذا كنت ترغب في تجربة المطبخ السوري، فإليك وصفة خاصة من مساعد الشيف حسن العبيد في مطعم قصر حلب - وهي طريقته الفريدة في تحضير جبنة الحلوم المقلية.
• لف ثلاث شرائح من جبن الحلوم في عجينة الكنافة واقليها في الزيت لمدة أربع دقائق تقريباً.
• اقلي الزعتر الطازج بشكل منفصل ورتبيه في طبق. ضعي فوقه جبنة الحلوم المقلية وزينيه بالزيتون الأسود المفروم.
تاريخ النشر: 31 ديسمبر 2025



